اكتشاف جمال وكرم الأقصر، مصر
في ذلك الوقت، وبعد إدراك عميق لتجاربي السابقة وخسارات متكررة في استثمارات ريادية، قررت أن أسلك مسارا أكثر حذرا وحكمة. لم أندفع للاستثمار المباشر. طلبت أن أدخل معهم في رحلة توجيه ومتابعة لمدة قد تمتد من ستة أشهر إلى عام. أراقب الإنجاز، أساندهم في السنة الأولى، وأرى كيف يتشكل النموذج على أرض الواقع.
Atti Assi
كاتب في أميما - بيت الابتكار الريفي
تمهيد الطريق لشكل جديد من السياحة: اكتشاف جمال وكرم الأقصر، مصر
عندما أجلس لأكتب عن رحلتنا الأخيرة إلى الأقصر في مصر، أجد نفسي أعود بكل مشاعري إلى تلك اللحظات التي عشناها هناك. لم تكن رحلة عمل عادية، بل كانت رحلة اكتشاف أيقظت في داخلي رؤية أعمق لمعنى لما أقوم به، رؤية تقوم على التجربة الصادقة، والانغماس الثقافي، والعلاقات الإنسانية الحقيقية.
سافرت برفقة صديق وشريك درب، ونحن نحمل فضولا وشغفا لاكتشاف ما وراء الصورة التقليدية للمدينة. كانت الأقصر بالنسبة لنا اسما عظيما في كتب التاريخ، لكننا لم نكن ندرك أن هذه الزيارة ستعيد تشكيل فهمنا للسفر والضيافة و الإستثمار من الأساس.
منذ اللحظة الأولى لوصولنا، لمسنا دفئا إنسانيا يتجاوز كل التوقعات. الناس هناك لا يستقبلونك كسائح، بل كضيف. جلسنا في مطاعم شعبية نتذوق أطباقا مصرية أصيلة، وتبادلنا الأحاديث مع أصحاب المحال في الأسواق القديمة، وكل لقاء كان يحمل قصة، وكل قصة كانت تترك أثرا في القلب.
جمال الأقصر ليس فقط في معابدها العظيمة، بل في روحها. عندما وقفنا أمام معابد الكرنك ومعبد الأقصر، شعرنا بعظمة حضارة صنعت التاريخ بالحجر والصبر. كل نقش على الجدران كان يهمس بحكاية، وكل عمود كان شاهدا على زمن لا يزال حاضرا بقوته وهيبته.
لكن ما أثر فينا حقا لم يكن فقط المعالم المعروفة، بل التفاصيل الصغيرة المخفية في الأزقة القديمة. تجولنا في شوارع بسيطة، جلسنا في مقاه متواضعة تزين جدرانها رسومات ملونة، وشاهدنا حرفيين يمارسون مهنا توارثوها جيلا بعد جيل. هناك وجدنا جوهر الأقصر الحقيقي، مدينة حية لا تزال تحفظ روحها.
ومن أجمل محطات رحلتنا كانت المزرعة التي قررنا الاستثمار فيها. تقع وسط طبيعة هادئة، بعيدا عن صخب المدينة، وكأنها عالم مستقل بذاته. استقبلتنا الخيول العربية الأصيلة، والجمال، والماعز، والأغنام، وغيرها من الكائنات التي تعيش بتناغم مع الأرض. كنا نسير بين الحقول الخضراء ونشعر ببساطة الحياة الريفية وصدقها.
تناولنا فطورا ريفيا في قلب الحقل. خبز طازج، أطباق مصرية تقليدية، عسل طبيعي من خلايا النحل في المزرعة نفسها. كنا نأكل والخيول ترعى أمامنا في هدوء. لحظة صفاء نادرة، تذكير بأن الوفرة لا تقاس بالضجيج بل بالسكينة.
صاحب هذه التجربة كان الدكتور أبو بكر الهاشمي، أحد ثلاثة إخوة يملكون المزرعة. لم يكونوا مجرد مزارعين، بل أيضا قادة لرحلات المنطاد التي أقلعت بنا فجرا فوق سماء الأقصر. تجربة التحليق فوق المعابد والنيل كانت استثنائية بكل معنى الكلمة. والأكثر إلهاما أن الإخوة الثلاثة أطباء ومتعلمون تعليما عاليا، ومع ذلك اختاروا أن يحافظوا على إرث والدهم الزراعي ويطوروّه.
والدهم كان رائدا في هذا المجال، وساهم قبل ثلاثة عقود في دعم رحلة استكشافية لريتشارد برانسون في الأقصر. وحتى اليوم، ما زال أول منطاد أهداه السير ريتشارد برانسون لوالدهم جزءا من إرثهم العملي. يطلقون على مزرعتهم اسم الحبيب، اسما يعكس علاقتهم العميقة بالأرض وبالناس. وأوصي كل من يزور الأقصر أن يمر بهذه التجربة، ليس فقط لمشاهدة المنظر، بل ليشهد قصة وفاء للأرض وللأب وللمعنى.
عدنا من الأقصر ونحن نحمل رؤية أوضح لما نؤمن به. السياحة ليست برنامجا مزدحما بالصور، وليست قائمة معالم نضع أمامها علامة صح. السياحة الحقيقية هي علاقة، هي أثر متبادل، هي ذاكرة تبقى في القلب.
نحن اليوم نؤمن بضرورة تمهيد الطريق لشكل جديد من السياحة، سياحة تحترم الإنسان والمكان، تعزز التبادل الثقافي، وتترك أثرا إيجابيا على المجتمعات المحلية. سياحة تعيدنا إلى الأصل، إلى البساطة، إلى الجمال الحقيقي غير المتكلف.
رحلتنا إلى الأقصر أعادت لي إيماني بأن السفر قادر على تغييرنا من الداخل. خارج مناطق الراحة يوجد عالم أوسع، عالم مليء بالجمال والفرص، ينتظر من يقترب منه بقلب مفتوح.
هذه ليست مجرد قصة رحلة، بل بداية مسار نعمل عليه بإخلاص. مسار يربط بين الاستثمار والمعنى، بين الأرض والإنسان، بين الضيافة والكرامة. ومن يرغب في أن يعيش تجربة مختلفة، تجربة صادقة، فالأقصر ما زالت هناك، تنتظر من يراها بعين جديدة.
البذرة التي سبقت الرحلة
سبب زيارتنا إلى الأقصر لم يكن وليد لحظة، بل كان امتدادا لقصة بدأت في سبتمبر 2022، بعد قرابة عام من لقائي الأخير مع موسى خليل، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مزنة للحلول الزراعية.
قبل ذلك بعام، كنت في القاهرة لزيارة والدي ووالدتي. في تلك الفترة كان من الصعب علي الذهاب إلى غزة، كما أنهما لم يكونا يرغبان في السفر بالطائرة لزيارتي في دبي. رتبنا الزيارة لتتزامن مع مؤتمر ريادة الأعمال الذي أقيم في نوفمبر 2021 في منطقة الأهرامات. وجدت في ذلك فرصة لأجمع بين العائلة والعمل، بين الجذور والرؤية.
كنت برفقة مجموعة من المستثمرين لاستكشاف فرص ريادية في مجالات متعددة، لكن تركيزي آنذاك كان واضحا: الأرض وما حولها. كان داخلي يتجه بثبات نحو المشاريع المستدامة والتجديدية، نحو العودة إلى الأصل، إلى التربة، إلى ما يعيد التوازن للإنسان قبل الاقتصاد.
أتذكر تلك الليلة جيدا. أجواء ساحرة تحت النجوم، وإطلالة مباشرة على أهرامات الجيزة. حديث طويل مليء بالحماس والشغف. كنت أتكلم بوضوح عن اختياري ألا أنخرط في سباق الذكاء الصناعي والتقنيات العميقة، ليس جهلا بها ولا تقليلا من شأنها، بل لأنها ليست رسالتي. هي أدوات أستخدمها لتسهيل الإنجاز، لا أكثر. أما رسالتي فهي الأرض، والإنسان، ودورة الحياة المتكاملة.
لم أكن أعلم أن فريق موسى كان يستمع باهتمام، ينتظر أن أنهي حديثي ليقترب مني. دعوني للتعرف على شركتهم الناشئة التي لم تكمل عامها الأول بعد. نموذج العمل لم يكن مكتمل الملامح، والأرقام لم تكن ناضجة، لكن ما رأيته كان أهم من ذلك: شغف حقيقي، وإصرار، وتجربة سابقة قريبة من المجال الذي يعملون فيه.
كانوا يعملون على تحويل مخلفات وحدات إنتاج الغاز الحيوي الناتج من مخلفات الحيوانات إلى أسمدة عضوية سائلة، في محاولة لمعالجة مشكلة عميقة في مصر والعالم العربي، وهي الاعتماد شبه الكامل على الأسمدة الكيماوية المستوردة، وما تسببه من إنهاك للتربة وأذى للإنسان. الفكرة في جوهرها بسيطة وعميقة في آن واحد: استثمار ما وهبنا الله من الأنعام لإكمال دورة الغذاء بشكل صحي ومتوازن.
في ذلك الوقت، وبعد إدراك عميق لتجاربي السابقة وخسارات متكررة في استثمارات ريادية، قررت أن أسلك مسارا أكثر حذرا وحكمة. لم أندفع للاستثمار المباشر. طلبت أن أدخل معهم في رحلة توجيه ومتابعة لمدة قد تمتد من ستة أشهر إلى عام. أراقب الإنجاز، أساندهم في السنة الأولى، وأرى كيف يتشكل النموذج على أرض الواقع. بعدها فقط أقرر.
اعتذرت حينها عن زيارة الأقصر. لم يكن الوقت مناسبا. كنت أحتاج أن أرى الالتزام قبل أن أضع رأس المال.
لكن القصة لم تنته هناك. تلك البذرة التي زُرعت تحت سماء الأهرامات، كانت تمهد لرحلة أخرى، رحلة ستقودنا لاحقا إلى الأقصر، لنصبح شركاء في رؤية أكبر.
من التوجيه إلى القرار
وبالفعل، بدأت رحلة التوجيه مع موسى وفريق مزنة للحلول الزراعية. كنت أتابعهم عن قرب، أرى الثبات، والإصرار، والتحسن التدريجي، والأهم الإيمان العميق برسالتهم. لم يكن الأمر مجرد مشروع ناشئ يبحث عن تمويل، بل فريق يسعى لإحداث تغيير حقيقي في علاقة الأرض بالغذاء.
جاءت الزيارة في أواخر سبتمبر 2022، متزامنة مع لقائي بوالدتي وأخواتي اللاتي لم ألتق بهن لأكثر من عشر سنوات. كانت أياما مؤثرة بكل معنى الكلمة. اجتمعنا على ضفاف النيل، في أجواء دافئة ما زلنا نستعيد تفاصيلها حتى اليوم. تركتهن ليومين في جناح بفندق يطل على النيل وشارع نابض بالحياة، تحيط به الأسواق والمقاهي، بينما سافرت أنا للمرة الأولى إلى الأقصر لألتقي فريق مزنة على أرض الواقع.
قبل السفر، طلبت من الشريك المؤسس أحمد وهدان، وهو مسوق وإعلامي من الطراز الرفيع، أن يجهز فريق إنتاج سينمائي لتوثيق الرحلة. كنت أؤمن أن مثل هذه اللحظات يجب أن تُحفظ، لا لأغراض دعائية فقط، بل كتوثيق لبداية مسار. وقد أسعدني ذكاؤهم واستعدادهم لاستثمار الفرصة بكل احترافية.
ما شاهدته هناك فاق توقعاتي. فريق متمكن ومؤمن، يضم أكاديميين مخضرمين وفنيين من الطراز الأول، يعملون على إنتاج أول دفعة من المنتج وسط إمكانات متواضعة داخل حاضنة أعمال بسيطة. بساطة المكان لم تكن عائقا، بل كانت شاهدا على وضوح الرسالة ونقاء النية. العلامة كانت واضحة، والفكرة ناضجة، والروح حاضرة.
بعد يوم طويل من الاجتماعات والزيارات الميدانية، عدت مساء إلى فندق هادئ على ضفاف النيل. جلست أفكر في كل ما رأيته. في صباح اليوم التالي، أخبرتهم بقراري: سأكون أول مستثمر. وسأدعو مجموعة من المستثمرين للانضمام بعد تنفيذ الخطة المتفق عليها. المبلغ الذي التزمت به سيتم تحويله خلال أيام من عودتي إلى دبي.
لم يكن القرار اندفاعا، بل نتيجة مراقبة وصبر وتقييم. شعرت أن اللحظة نضجت، وأن الثقة بُنيت على أرض صلبة.
لكن هذه لم تكن سوى البداية.
الرحلة التالية كانت في يناير 2023، عندما عدت إلى الأقصر برفقة مجموعة من المستثمرين، ومعي محمد عبابنة، الذي كان آنذاك مستقلا يستكشف معي الفرص، قبل أن ينضم لاحقا في أبريل 2023 بدوام كامل لبناء أميما برؤيتها ورسالتها.
وللحديث بقية، فهناك تفاصيل في تلك الرحلة تستحق أن تُروى كما عشناها.
كتبه
Atti Assi
كاتب ومساهم في منصة أميما، يشارك قصصاً ملهمة عن الحياة الريفية والاستدامة.